أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
17
العقد الفريد
وكان ليزيد ناقة محماة « 1 » ، في عنقها مدية وزنادة وصرّة ملح ، وإنما كان يمتحن بها رعيته لينظر من يجترئ عليه ، فوحمت امرأة الحارث فاشتهت شحما في وحمها ، فانطلق الحارث إلى ناقة الملك فانتحرها ، وأتاها بشحمها ، وفقدت الناقة ، فأرسل الملك إلى الحمس التغلبي وكان كاهنا ، فسأله عن الناقة ، فأخبره أن الحارث صاحبها ، فهم الملك به ، ثم تذمّم « 2 » من ذلك ، وأوجس الحارث في نفسه شرا فأتى الخمس التغلبي فقتله . فلما فعل ذلك دعا به الملك فأمر بقتله ، فقال : أيها الملك إنك قد أجرتني فلا تغدرنّ بي ! فقال الملك : لا ضير ، إن غدرت بك مرة فقد غدرت بي مرارا ! وأمر ابن الخمس فقتله ، وأخذ ابن الخمس سيف الحارث فأتى به عكاظ في الأشهر الحرم ، فأراه قيس بن زهير العبسي ، فضربه قيس فقتله ، وقال يرثي الحارث بن ظالم : وما قصرت من حاضن ستر بيتها * أبرّ وأوفى منك حار بن ظالم « 3 » اعزّ وأحمى عند جار وذمّة * وأضرب في كأب من النّقع قاتم « 4 » حرب داحس والغبراء : وهي من حروب قيس قال أبو عبيدة : حرب داحس والغبراء بين عبس وذبيان ابني بغيض بن ريث بن غطفان ، وكان السبب الذي هاجها أن قيس بن زهير ، وحمل بن بدر ، تراهنا على داحس والغبراء أيهما يكون له السبق ، وكان داحس فحلا لقيس بن زهير ، والغبراء حجرا « 5 » لحمل بن بدر ، وتواضعا الرهان على مائة بعير ، وجعلا منتهى الغاية مائة غلوة « 6 » ، والإضمار « 7 » أربعين ليلة ، ثم قادوهما إلى رأس الميدان بعد أن أضمروهما
--> ( 1 ) محماة : محمية ( 2 ) تزمم : استنكف ( 3 ) قصرت الستر : أرخته ( 4 ) النقع : الغبار الساطع ( 5 ) الحجر : الفرس ( 6 ) الغلوة : مقدار رمية بسهم . ( 7 ) الاضمار : أن تشد على الخيل سروجها وتجعل بالأجلة حتى تعرق تحتها فيذهب رهلها ويشتد لحمها ويحمل عليها غلمان خفاف ، يجرونها ولا يعنقون بها ، فإذا فعل ذلك أمن عليها البهر الشديد عند حضرها ولم يقطعها الشدّ .